تاريخ العجائن في المغرب… ذاكرة غذائية عمرها قرونعندما نتحدث عن العجائن في المغرب، فنحن لا نتحدث عن عنصر غذائي دخيل كما يروج البعض، بل عن مكوّن مغروس بعمق في التراث المغربي منذ العصور الوسطى، قبل رحلة ماركو بولو الشهيرة بقرن من الزمن. صحيح أن أقدم أثر للمعكرونة في العالم اكتُشف في الصين قبل أكثر من أربعة آلاف سنة في موقع «لاجا»، حيث وُجدت أوعية تضم بقايا شعرية مصنوعة من الدخن، لكن حضور العجائن في المغرب له مساره الخاص الذي ارتبط بازدهار الحضارة الأمازيغية-الإسلامية في الغرب الإسلامي.المصادر التاريخية المغربية والأندلسية تقدّم لنا شهادة واضحة وقاطعة. ففي القرن الثاني عشر الميلادي، أي في زمن الدولة الموحدية، دوّن علماء المغرب وصفات دقيقة للعجائن في كتبهم. ويأتي كتاب "فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان" لابن رزين التجيبي كدليل دامغ، حيث يذكر وصفة بعنوان "عمل الإطرية وطبخها"، يشرح فيها كيفية عجن السميد أو الدقيق بالماء والملح، ثم تقطيعه وتجفيفه في الشمس قبل طبخه بالمرق واللحم. هذه ليست مجرد وصفة، بل منهجية صناعة غذاء قائم بذاته، تؤكد أن المغاربة لم يكونوا مجرد مستهلكين للعجائن، بل منتجين ومبتكرين.ونجد في كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس المنسوب للعصر الموحدي وصفات مشابهة تصف الإطرية بدقة لافتة، وهو ما يعكس تطور فنون الطبخ آنذاك، ويدل على ثقافة غذائية راقية سبقت وصول العجائن إلى أوروبا بقرون. وحتى من يشككون في توفر الحبوب خلال تلك الفترة، تكفيهم شهادة الشريف الإدريسي في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، حيث يصف منطقة سوس قائلاً: "هناك الحنطة والشعير والأرز بأرخص الأثمان"، وهو نص يؤكد أن المغرب كان غنيًا بالحبوب منذ عهد المرابطين، أي قبل الموحدين بسنوات طويلة.أما الرواية الغربية التي تقول إن ماركو بولو جلب المعكرونة من الصين إلى أوروبا في القرن الثالث عشر، فقد نسفها الباحثون المتخصصون منذ زمن، بل إن المخطوطات المغربية سبقت رحلته بقرن على الأقل، وقدمت وصفات مكتملة تشبه ما يُعرف اليوم بالمعكرونة والباستا. الأكثر من ذلك أن الباحث الأمريكي تشارلز بيري أشار في مؤتمر أكسفورد لتاريخ الطعام إلى أن المسلمين نقلوا تقنيات العجائن إلى أقصى الغرب، وأن الكلمة البرتغالية "aletria" مشتقة مباشرة من الكلمة العربية "الإطرية". هذا دليل لغوي وتاريخي على أن تأثير المطبخ المغربي والأندلسي وصل إلى أوروبا ولم يكن العكس.إن المتاح من مخطوطات وكتب عن الطبخ الأندلسي والمغربي اليوم، والمتوفّر على المنصات الأكاديمية والمكتبات الرقمية، يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن العجائن جزء أصيل من الثقافة الغذائية للمغرب منذ أكثر من تسعة قرون. فالمطبخ المغربي كان دائمًا مرآة لحضارة واسعة امتدت من طرابلس شرقًا إلى لشبونة غربًا، ومن سوس جنوبًا إلى طليطلة شمالًا.