07 October 2025 à 00:39
تشابه يؤكد الأصالةفي المغرب نكون مع أنواع عديدة من الرقص، ترافق تنوعاً هائلاً في الموسيقى والإيقاعات، وتعد فنون الرقص في المغرب من الفنون القديمة، ذات الجذور التاريخية البعيدة، وكما يتميز المغرب عموماً بذلك الاتصال الطبيعي المستمر بين ماضيه وحاضره، لم ينقطع المغربي عن رقصاته القديمة التي تسري دقاتها وإيقاعاتها في عروقه، وكما تدهشنا كل رقصة من فنون الرقص في المغرب لفرادتها الشديدة، وعدم تشابهها مع أي رقص آخر في بلاد العالم، يدهشنا أحياناً رقص مغربي بتشابهه مع رقص آخر، والتشابه هنا يؤكد الأصالة لا الاستنساخ، ويظهر جانباً من جوانب القوة الثقافية اتساقاً مع حركة الزمن والتاريخ. هذا النوع من الرقص المغربي الذي يتشابه مع رقص آخر هو رقص القعدة، الذي يؤديه الرجال في الغالب الأعم وكذلك تؤديه النساء في بعض الأحيان. عندما يشاهد المرء رقص القعدة يستحضر ذهنه على الفور رقص الفلامنكو الأكثر شهرة وعالمية بطبيعة الحال، ويشعر أنه أمام الأصل القديم لهذا الفن، يطالع الصورة الأولية له أو منبعه الأساسي، فلا تخفى الجذور المورية لفن الفلامنكو منذ عهد الأندلس، ليس في الحركة فقط وإنما في اشتقاق الاسم أيضاً، الذي هو في الأصل «فلاح منكوب» حيث الطرد من الأندلس والعودة إلى المغرب.رقص القعدة المغربي رقص إيقاعي يضرب بالأقدام ضربات سريعة متلاحقة تخلق إيقاعاً متميزاً، على ماذا تضرب الأقدام؟ هل تضرب على خشبة المسرح أو على لوح خشبي كالفلامنكو في بعض الأحيان؟ لا.. يضرب راقص القعدة بقدميه على «القعدة» التي تنسب إليها الرقصة، والقعدة يمكن وصفها بالآلة الإيقاعية وبمنصة الرقص، وبالحيز الذي يلتزم به الراقص خلال أدائه، فهي مسرحه الصغير المحدود الذي يقف عليه أمام الجمهور. قد تشبه القعدة الدف الضخم المرتفع عن الأرض، لكن القعدة في أصلها البعيد كانت إناء لغسيل الملابس، وفي أوقات الفن والمرح كانت تقلب على وجهها وتتحول إلى منصة للرقص وإلى آلة لخلق الإيقاع. يختلف إيقاع القعدة عن إيقاع الفلامنكو، وكذلك تختلف وضعية الجسد قليلاً، خصوصاً وضعية الذراعين، كما يبدو رقص القعدة المغربي أكثر سرعة واشتعالاً وقوة في ضربات الأقدام المتلاحقة، وله دائماً ذلك الطابع الخاص الذي يميزه عن الفلامنكو وأنواع الكلاكيت والرقص الإيقاعي كافة. يقف الراقص المغربي فوق القعدة ويبدأ ببضع ضربات هادئة بطيئة، كأنه يمهد للإقلاع والانطلاق، وبالفعل يصعد بالمتفرج نحو إيقاع سريع للغاية وهو يستمع إلى دقات قدمي الراقص، ويتابع حركتهما السريعة التي تستوجب تحكماً عصبياً شديداً من الراقص، إلى جانب الانضباط الموسيقي الداخلي.يصنع راقص القعدة فناً بلغة يجيدها، ويكون جسده هو الأداة التي يستخدمها وتكون القعدة آلته الإيقاعية، وهو يعكس من خلال هذا الفن ثقافة كاملة وتاريخا قديما يغري بالمزيد من البحث والتقصي. يبدو رقص القعدة المغربي فناً في مادته الخام محتفظاً بفطرته الأولى ولحظة إبداعه التلقائي، وهناك بالطبع محاولات لتقديمه بأشكال جديدة مختلفة، وتطويعه ضمن عروض فنية ومسرحية بمصاحبة الغناء. وكثيراً ما يلتقي رقص القعدة المغربي برقص الفلامنكو الإسباني، ليقف كل منهما أمام الآخر ويشعر بصلات القربي وأواصر الحنين، كصديقين قديمين التقيا بعد غياب طويل، وقد نرى الفلامنكو فرعاً يحن إلى الأصل، ونرى رقص القعدة أصلاً يضم الفرع ويحتويه
57
Reactions
0
Comments
0
Shares
0
Views